فصل: تفسير الآيات (200- 202):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم



.تفسير الآيات (195- 196):

{وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196)}
{وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله} أمرٌ بالجهاد بالمال بعد الأمرِ به بالأنفس، أي ولا تُمسِكوا كلَّ الإمساك، {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة} بالإسراف وتضييعِ وجهِ المعاش أو بالكفِّ عن الغزو والإنفاق فيه فإن ذلك مما يقوِّي العدوَّ ويُسلِّطُه عليكم. ويؤيدُه ما رُوي عن أبي أيوبَ الأنصاريِّرضي الله عنه أنه قال: لما أعزَّ الله الإسلامَ وكثُر أهلُه رجعنا إلى أهالينا وأموالنا نُقيمُ فيها ونُصلِحها فنزلت، أو بالإمساك وحبِّ المال فإنه يؤدّي إلى الهلاك المؤبَّد ولذلك سُمي البخلُ هلاكاً وهو في الأصل انتهاءُ الشيء في الفساد، والإلقاءُ طرحُ الشيء، وتعديتُه بإلى لتضمُّنه معنى الانتهاء والباءُ مزيدةٌ، والمرادُ بالأيدي الأنفسُ والتهلُكة مصدر كالتنصُرَة والتستُرة وهي والهُلك واحدٌ أي لا توقِعوا أنفسَكم إليها فحُذِف المفعول {وَأَحْسِنُواْ} أي أعمالَكم وأخلاقَكم أو تفضّلوا على الفقراء {إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين} أي يريد بهم الخيرَ وقوله تعالى: {وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة لِلَّهِ} بيانٌ لوجوب إتمامِ أفعالهما عند التصدي لأدائهما وإرشادٍ للناس إلى تدارُك ما عسى يعتريهم من العوارض المُخِلَّة بذلك من الإحصار ونحوه من غير تعرُّضٍ لحالهما في أنفسهما من الوجوب وعدمِه كما في قوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى اليل} فإنه بيانٌ لوجوب مدِّ الصيام إلى الليل من غير تعرُّضٍ لوجوب أصلِه وإنما هو بقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام} الآية، كما أن وجوبَ الحج بقوله تعالى: {وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت} الآية، فإن الأمرَ بإتمام فعلٍ من الأفعال ليس أمراً بأصله ولا مستلزماً له أصلاً فليس فيه دليل على وجوب العُمرة قطعاً، وادعاءُ أن الأمرَ بإتمامهما أمرٌ بإنشائهما تامين كاملين حسبما تقتضيه قراءةُ {وَأَقِيمُواْ الحج والعمرة} وأن الأمرَ للوجوب ما لم يدلَّ على خلافه دليل مما لا سَدادَ له ضرورةَ أنْ ليس البيانُ مقصوراً على أفعال الحجِّ المفروضِ حتى يُتصوَّرَ ذلك، بل الحقُّ أن تلك القراءةُ أيضاً محمولةٌ على المشهورة ناطقةٌ بوجوب إقامةِ أفعالهما كما ينبغي من غير تعرُّضٍ لحالهما في أنفسهما فالمعنى أكمِلوا أركانَهما وشرائطَهما وسائرَ أفعالِهما المعروفةِ شرعاً لوجه الله تعالى من غير إخلالٍ منكم بشيء منها.
هذا وقد قيل: «إتمامُهما أن تحرِمَ بهما من دُوَيرَة أهلِك». رُوي ذلك عن عليَ وابن عباسٍ وابن مسعود رضي الله عنهم وقيل: «أن تُفرِدَ لكل واحدٍ منها سَفَراً» كما قال محمد: حَجةٌ كوفية وعُمرةٌ كوفية أفضلُ. وقيل: هو جعلُ نفقتِهما حلالاً وقيل: أن تُخلِصوهما للعبادة ولا تشوبوهما بشيء من الأغراض الدنيوية وأياً ما كان فلا تعرُّضَ في الآية الكريمة لوجوب العُمرة أصلاً وأما ما رُوي أن ابنَ عباس رضي الله عنهما قال: إن العمرةَ لقرينةُ الحجِّ، وقولُ عمرَ رضي الله عنه: هُديتَ لسنة نبيِّك حين قال له رجلٌ وجدتُ الحجَّ والعمرة مكتوبين علي فأهلَلْتُ بهما.
وفي رواية فأهللتُ بهما جميعاً فبمعزلٍ من إفادة الوجوب مع كونه معارَضاً بما رُوي عن جابرٍ أنه قال: يا رسولَ الله العمرةُ واجبةٌ مثلَ الحجِّ؟ قال: «لا ولكن أن تعتمِرَ خيرٌ لك»، وبقوله عليه السلام: «الحجُّ جهاد والعُمرةُ تطوُّعٌ فتدبر» {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} أي مُنعتم من الحج يقال: حصَره إذا حبَسه ومنعه من المُضيِّ لوجهه مثلُ صَدَّه وأصدّه والمرادُ منعُ العدو عند مالكٍ والشافعيِّ رضي الله عنهما لقوله تعالى: {فَإِذَا أَمِنتُمْ} ولنزوله في الحديبية ولقولِ ابنِ عباسٍ: لا حصْرَ إلا حصرُ العدوِّ وكلُّ منعٍ من عدو أو مرضٍ أو غيرهما عند أبي حنيفة رضي الله عنه، لما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم من كُسِر أو عَرَج فعليه الحجُّ من قابل {فَمَا استيسر مِنَ الهدى} أي فعليكم أو فالواجبُ ما استيسر أو فاهدوا ما استيسر والمعنى أن المُحرِم إذا أُحصر وأراد أن يتحلّل تحلَّل بذبح هدْي مما تيسر عليه من بدَنة أو بقرةٍ أو شاة حيث أُحصر عند الأكثر، وعندنا يَبعث به إلى الحرَم ويجعلُ للمبعوث بيده يومَ أمارٍ فإذا جاء اليومُ وظن أنه ذبح تحلّل لقوله تعالى: {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءوسَكُمْ حتى يَبْلُغَ الهدى مَحِلَّهُ} أي لا تُحِلوا حتى تعلموا أن الهديَ المبعوثَ إلى الحرم بلغ مكانه الذي يجب أن يُنْحَر فيه، وحمل الأولون بلوغَ الهدْي مَحِلّه على ذبحه فيه حِلاًّ كان أو حَرَماً ومرجعُهم في ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبحَ عامَ الحديبية بها وهي من الحِل قلنا: كان مُحْصَرُه عليه الصلاة والسلام طرفَ الحديبية الذي إلى أسفلِ مكةَ وهو من الحَرَم، وعن الزُهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحرَ هديَه في الحَرَم، وقال الواقديُّ: الحديبيةُ هي طرفُ الحرم على تسعة أميالٍ من مكةَ والمَحِلُّ بالكسر يُطلق على المكان والزمان، والهدْيُ جمع هَدْية كجَدْي وجَدْية وقرئ {من الهَدِيّ} جمع هَديّة كمَطِيّ ومطية {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا} مرَضاً مُحوجاً إلى الحَلْق {أَوْ بِهِ أَذًى مّن رَّأْسِهِ} كجراحة أو قُمَّلٍ {فَفِدْيَةٌ} أي فعليه فديةُ إن حلق {مّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} بيانٌ لجنس الفدية وأما قدرُها فقد رُوي أنه صلى الله عليه وسلم قال لكعب بنِ عُجرةَ: «لعلك آذاك هَوامُّك» قال: نعم يا رسولَ الله قال: «احلِقْ وصُم ثلاثةَ أيام أو تصدّقْ بفَرْقٍ على ستةِ مساكينَ أو انسُك شاةً والفَرْقُ ثلاثة آصُع» {فَإِذَا أَمِنتُمْ} أي الإحصار أو كنتم في حال أمن أو سعة {فَمَن تَمَتَّعَ بالعمرة إِلَى الحج} أي فمن انتفع بالتقرُّب إلى الله تعالى بالعُمرة قبل الانتفاعِ بتقرّبه بالحج في أشهره، وقيل: من استمتع بعد التحلُّل من عُمرته باستباحة محظوراتِ الإحرام إلى أن يُحرِم بالحج.
{فَمَا استيسر مِنَ الهدى} أي فعليه دمٌ استيسر عليه بسبب التمتع وهو دمُ جُبرانٍ يذبحه إذا أحرَمَ بالحج، ولا يأكلُ منه عند الشافعي وعندنا هو كالأضحية {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} أي الهديَ {فَصِيَامُ ثلاثة أَيَّامٍ فِي الحج} أي في أشهره بين الإحرامين، وقال الشافعيُّ في أيام الاشتغالِ بأعماله بعد الإحرام وقبل التحلل، والأحب أن يصومَ سابعَ ذي الحِجة وثامنَه وتاسعَه فلا يصح يومَ النحرِ وأيامَ التشريق {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} أي نفَرْتم وفرَغتم من أعماله وفي أحدِ قولي الشافعيِّ إذا رجعتم إلى أهليكم، وقرئ {وسبعةً} بالنصب عطفاً على محل ثلاثةِ أيام {تِلْكَ عَشَرَةٌ} فذلكةُ الحسابِ وفائدتُها ألا يُتَوَهّم أن الواوَ بمعنى أو كما في قولك: جالسِ الحسنَ وابنَ سيرين، وأن يُعلم العددُ جملةً كما عُلم تفصيلاً فإن أكثرَ العرب لا يعرِفُ الحسابَ وأن المرادَ بالسبعة هو العددُ المخصوصُ دون الكثرة كما يراد بها ذلك أيضاً {كَامِلَةٌ} صفةٌ مؤكدةٌ لعشَرة تفيد المبالغةَ في المحافظة على العدد أو مبيِّنةٌ لكمال العشرة فإنها أولُ عددٍ كاملٍ إذْ بهِ ينتهي الآحادُ ويتم مراتبُها أو مقيِّدة تفيدُ كمالَ بَدَليتها من الهدْي {ذلك} إشارةٌ إلى التمتع عندنا وإلى الحكم المذكورِ عند الشافعي {لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى المسجد الحرام} وهو مَنْ كان من الحرَم على مسافة القصْرِ عند الشافعي ومن كان مسكنُه وراءَ الميقاتِ عندنا وأهلُ الحل عند طاوس وغيرُ أهل مكةَ عند مالك {واتقوا الله} في المحافظة على أوامره ونواهيه لاسيما في الحج {واعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب} لمن لم يَتَّقْهِ كي يصُدَّكم العلمُ به عن العِصيان، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موضعِ الإضمارِ لتربية المهابةِ وإدخالِ الرَّوْعة.

.تفسير الآية رقم (197):

{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197)}
{الْحَجُّ} أي وقته {أَشْهُرٌ معلومات} معروفاتٌ بين الناس هي شوَّالٌ وذو القَعدة وعشرُ ذي الحِجة عندنا وتسعةٌ بليلةِ النحر عند الشافعي وكلُّه عند مالكٍ، ومدارُ الخلافِ أن المرادَ بوقته وقتُ إحرامِه أو وقتُ أعماله ومناسِكهُ أو ما لا يحسُن فيه غيرُه من المناسِك مطلقاً فإن مالِكاً كرِه العُمرةَ في بقية ذي الحِجة، وأبو حنيفةَ وإن صحَّح الإحرامَ به قبل شوالٍ فقد استكرهه وإنما سُمي شهران وبعضُ شهرٍ أشهراً إقامةً للبعض مُقامَ الكل أو إطلاقاً للجمع على ما فوق الواحدِ، وصيغةُ جمعِ المذكر في غيرِ العقلاء تجيء بالألف والتاء {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج} أي أوجبه على نفسه بالإحرام فيهن أو بالتلبية أو بسَوْق الهدْي {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ} أي لا جِماعَ أو فلا فحشَ من الكلام ولا خروجَ من حدود الشرعِ بارتكاب المحظوراتِ وقيل: بالسِّباب والتنابز بالألقاب {وَلاَ جِدَالَ} أي لا مِراءَ مع الخدَم والرِفقة {فِي الحج} أي في أيامه والإظهارُ في مقام الإضمارِ لإظهار كمالِ الاعتناءِ بشأنه، والإشعارِ بعِلة الحُكم فإن زيارةَ البيت المعظَّم والتقرُّبَ بها إلى الله عز وجل من موجبات تركِ الأمورِ المذكورة، وإيثارُ النفي للمبالغة في النهي والدَلالة على أن ذلك حقيقٌ بأن لا يكون، فإن ما كان مُنْكراً مستقبَحاً في نفسه ففي تضاعيفِ الحجِّ أقبحُ كلبُس الحريرِ في الصلاة والتطريبِ بقراءة القرآن لأنه خروجٌ عن مقتضى الطبعِ والعادةِ إلى محض العبادةِ، وقرئ الأولان بالرفع على معنى لا يكونن رَفثٌ ولا فسوقٌ والثالثُ بالفتح على معنى الإخبار بانتفاء الخلافِ في الحج، وذلك أن قريشاً كانت تخالف سائرَ العرب فتقفُ بالمشعَر الحرام فارتفعَ الخلافُ بأن أُمروا بأن يقفوا أيضاً بعَرَفاتٍ {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله} فيجزي به خيرَ جزاءٍ وهو حثٌّ على فعل الخيرِ إِثرَ النهْي عن الشر {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى} أي تزوّدوا لمِعَادكم التقوى فإنه خيرُ زادٍ وقيل: نزلت في أهل اليمن كانوا يحُجُّون ولا يتزوّدون ويقولون: نحن متوكلون فيكونون كَلاًّ على الناس فأُمروا أن يتزوّدوا ويتقوا الإبرامَ في السؤال والتثقيل على الناس {واتقون يأُوْلِى الالباب} فإن قضيةَ اللُبِ استشعارُ خشيةِ الله عز وجل وتقواه، حثهم على التقوى ثم أمرَهم بأن يكون المقصودُ بذلك هو الله تعالى فيتبرّؤا من كل شيءٍ سواه وهو مقتضى العقلِ المعرَّى عن شوائبِ الهوى فلذلك خُصَّ بهذا الخطاب أُولوا الألباب.

.تفسير الآيات (198- 199):

{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199)}
{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ} أي في أن تبتغوا أي تطلُبوا {فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ} عطاءً ورزقاً منه أي الربحَ بالتجارة وقيل: كان عُكاظُ ومَجنّةُ وذو المَجازِ أسواقَهم في الجاهلية يُقيمونها أيامَ مواسمِ الحج وكانت معايشُهم منها فلما جاء الإسلامُ تأثّموا منه فنزلت {فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عرفات} أي دفعتم منها بكثرة من أفضتُ الماء إذا صبَبْتُه بكثرة وأصلُه أفضتم أنفسَكم فحُذِفَ المفعولُ حذفَه من دفعتُ من البَصْرة، وعَرَفاتٌ جمعٌ سُمّي به كأذرِعات وإنما نوّن وكُسر وفيه علميةٌ وتأنيثٌ لما أن تنوين الجمعِ تنوينُ المقابلة لا تنوينُ التمكن ولذلك يُجمع مع اللام وذهابُ الكسرة تبعُ ذهابِ التنوين من غير عِوَض لعدم الصرْف وههنا ليس كذلك أو لأن التأنيثَ إما بالتاء المذكورة وهي ليست بتاء التأنيث وإنما هي مع الألف التي قبلها علامةُ جمعِ المؤنَّث أو بتاءٍ مقدَّرةٍ كما في سُعادَ ولا سبيل إليه لأن المذكورةَ تأبى تقديرَها لما أنها كالبدل منها لاختصاصِها بالمؤنث كتاءِ بنت، وإنما سمي الموقفُ عَرَفة لأنه نُعِتَ لإبراهيمَ عليه السلام فلما أبصره عَرَفه، أو لأن جبريلَ عليه السلام كان يدور به في المشاعر فلما رآه قال: «عرَفتُ»، أو لأن آدمَ وحواءَ التقيا فيه فتعارَفا، أو لأن الناسَ يتعارفون فيه وهي من الأسماءِ المُرْتجلة إلا من يجعلها جمعَ عارف، قيل: وفيه دليلٌ على وجوب الوقوف بها لأن الإفاضةَ لا تكون إلا بعده وهي مأمور بها بقوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُواْ} وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحجُّ عَرَفةُ» فمن أدرك عَرَفةَ فقد أدرك الحجَّ، أو مقدمة للذكر المأمور به وفيه نظرٌ إذ الذكرُ غيرُ واجب والأمرُ به غيرُ مطلق {فاذكروا الله} بالتلبية والتهليلِ والدعاء وقيل: بصلاة العشاءين {عِندَ المشعر الحرام} هو جبلٌ يقف عليه الإمامُ ويسمى قُزَح وقيل: ما بين مأزمي عرفةَ ووادي مُحسِّر ويؤيد الأول ما روى جابرٌ أنه عليه الصلاة والسلام لما صلى الفجرَ يعني بالمزدَلِفةِ بغَلَسٍ ركِب ناقتَه حتى أتى المشعَرَ الحرامَ فدعا فيه وكبّر وهلَّل ولم يزَلْ واقفاً حتى أسفَر. وإنما سُمِّي مَشعَراً لأنه مَعْلمُ العبادة ووُصِف بالحرام لحُرمته ومعنى عند المشعر الحرامِ ما يليه ويقرُب منه فإنه أفضلُ وإلا فالمزدلفةُ كلُها موقفٌ الإوادِيَ مُحَسِّر {واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ} أي كما علَّمكم أو اذكُروه ذِكراً حسناً كما هداكم هدايةً حسَنةً إلى المناسك وغيرِها وما مصدرية أو كافّة {وَإِن كُنتُمْ مّن قَبْلِهِ} من قبل ما ذُكر من هدايتِه إياكم {لَمِنَ الضالين} غيرِ العاملين بالإيمان والطاعة، وإن المخففةُ واللامُ هي الفارقة وقيل: هي نافية واللامُ بمعنى إلا كما في قوله عز وعلا: {وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الكاذبين} {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس} أي من عرَفةَ لا من المزدَلِفة والخطابُ لقريش لمّا كانوا يقفون بجمعٍ وسائرُ الناس بعرَفةَ ويرَوْن ذلك ترفعاً عليهم فأُمروا بأن يُساووهم و(ثم) لتفاوتِ ما بين الإفاضتين كما في قولك: أحسِنْ إلى الناس ثم لا تُحسِنْ إلا إلى كريم وقيل: من مزدلفةَ إلى مِنىً بعد الإفاضةِ من عرَفة إليها، والخطابُ عام وقرئ {الناسِ} بكسر السين أي الناسي على أن يراد به آدمُ عليه السلام من قوله تعالى: {فَنَسِىَ} والمعنى أن الإفاضةَ من عرفه شرعٌ قديم فلا تغيِّروه {واستغفروا الله} من جاهليتكم في تغيير المناسكِ {إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يغفرُ ذنبَ المستغفِر ويُنعِمُ عليه فهو تعليلٌ للاستغفار أو للأمر به.

.تفسير الآيات (200- 202):

{فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202)}
{فَإِذَا قَضَيْتُم مناسككم} عبادتِكم المتعلّقةَ بالحج وفرَغتم منها {فاذكروا الله كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ} أي فاكثِروا ذكرَه تعالى وبالغوا في ذلك كما تفعلون بذكر آبائِكم ومفاخرِهم وأيامِهم، وكانت العربُ إذا قضَوْا مناسكهم وقفوا بمنىً بين المسجد والجبل فيذكرون مفاخِرَ آبائِهم ومحاسِنَ أيامِهم. {أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} إما مجرورٌ معطوفٌ على الذكر بجعله ذاكراً على المجاز والمعنى فاذكروا الله ذكراً كائناً مثلَ ذكرِكم آباءَكم أو كذكرٍ أشدَّ منه وأبلغَ أو على ما أضيف إليه بمعنى أو كذكر قومٍ أشدَّ منكم ذكراً أو منصوبٌ بالعطف على آباءَكم، وذكراً من فعل المذكور بمعنى أو كذكركم أشدَّ مذكورٍ من آبائكم أو بمضمر دلَّ عليه المعنى تقديرُه أو كونوا أشدَّ ذكراً لله منكم لآبائكم {فَمِنَ الناس} تفصيلٌ للذاكرين إلى من يطلُب بذكر الله الدنيا وإلى من يطلُب به خيرَ الدارَيْن والمرادُ به الحثُّ على الإكثار والانتظامِ في سلك الآخَرين {مَن يِقُولُ} أي في ذكره {رَبَّنَا ءاتِنَا فِي الدنيا} أي اجعل إيتاءَنا ومِنحَتَنا في الدنيا خاصة {وَمَا لَهُ فِي الاخرة مِنْ خلاق} أي من حظَ ونصيبٍ لاقتصار همِّه على الدنيا فهو بيانٌ لحاله في الآخرة أو من طلبِ خَلاقٍ فهو بيانٌ لحاله في الدنيا وتأكيدٌ لقصر دعائه على المطالب الدنيوية {وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا ءاتِنَا فِي الدنيا حَسَنَةً} هي الصِّحةُ والكَفاف والتوفيقُ للخير {وَفِي الاخرة حَسَنَةً} هي الثوابُ والرحمة {وَقِنَا عَذَابَ النار} بالعفو والمغفرةِ ورُوي عن علي رضي الله عنه أن الحسنةَ في الدنيا المرأةُ الصالحة، وفي الآخرةِ الحورُ، وعذابُ النار امرأةُ السوءِ، وعن الحَسَن أن الحسنةَ في الدنيا العلمُ والعبادة، وفي الآخرة الجنة. وقنا عذابَ النار معناه احفظنا من الشهوات والذنوب المؤدِّية إلى النار {أولئك} إشارةٌ إلى الفريق الثاني باعتبار اتصافِهم بما ذُكر من النعوت الجميلةِ، وما فيه من معنى البُعد لما مر مراراً من الإشارة إلى علوِّ درجتِهم وبُعْدِ منزلتِهم في الفضل وقيل: إليهما معاً فالتنوينُ في قوله تعالى: {لَهُمْ نَصِيبٌ مّمَّا كَسَبُواْ} على الأول للتفخيم وعلى الثاني للتنويعِ أي لكلِّ نوعٍ منهم نصيبٌ من جنس ما كسَبوا أو من أجله كقوله تعالى: {مّمَّا خطيئاتهم أُغْرِقُواْ} أو مما دَعَوْا به نعطيهم منه ما قدّرناه، وتسميةُ الدعاء كسْباً لما أنه من الأعمال {والله سَرِيعُ الحساب} يحاسبُ العبادَ على كثرتهم وكثرةِ أعمالهم في مقدار لمحة فاحذَروا من الإخلال بطاعةِ مَنْ هذا شأنُ قدرتِه أو يوشك أن يُقيمَ القيامةَ ويحاسِبَ الناسَ فبادروا إلى الطاعات واكتساب الحسنات.